يحكى أن في احدى الأيام جاء رجل غريب إلى أسواق البلدة وصار ينادي في الناس : يا أهل البلدة أنا رجل سياسي ، أحل جميع المشاكل واصالح المتخاصمين ، وانا أفضل سياسي يمكن أن تسمعوا به... ظل يقول ذلك وينتقل من حي إلى اخر  ، وهو ينادي في الناس ويعرفهم بنفسه. فلما سمع حراس البلدة بكلام الغريب نقلوه للملك .

فأمر  الملك ان يحضروه له  ، ولما جاء .. سأله الملك  :  أنت سائس ؟ فأجاب الرجل لا يا مولاي أنا سياسي ولست سائسا  ، فقال له الملك : ولكني سمعت أنك تعمل سائسا ، لذلك قررت تعيينك لتكون سائسًا للخيل ، فلدي فرسة عنيدة ، وأريد منك أن تدربها ، فأصر الرجل على كلامه بأنه ليس سائسا للخيول وانما هو سياسي .
فقال له الملك : اعتن بفرسي وإلا قتلتك



وافق الرجل على قرار الملك الملك رغما عنه ،  وجاء سائس الفرس السابق ليسلمه الفرس ويحذره قائلًا : هذه الفرس لها مكانة كبيرة عند الملك فلا تخبره باي عيب فيها ، وإلا أعدمك دون تفكير .

خاف الرجل اكثر ، و عاد للملك وطلب منه مرة اخرى ان يعفيه من تلك الوظيفة ، إلا ان الملك رفض وامر بتجهيز غرفة له مع تقديم ثلاث وجبات له كل يوم ، وبالفعل بدأ الرجل عمله في تربية الفرس ، لكن بعد عشرين يوما... هرب من قصر الملك .

فبحث عنه الحراس حتى وجدوه واعادوه للملك...فسأل الملك  : لماذا هربت ، هل وجدت عيبا في الفرس  ، فقال الرجل : يا مولاي أعفيني من الجواب  فقال الملك : اخبرني عن السبب وإلا أعدمتك ، فطلب الرجل الامان من الملك : فوافق الملك ...وتابع الرجل قائلًا : هذه فرس أصيلة لكن عندما يخبرك أحد أنها رضعت من أمها الأصلية ، فاسمع ولا تصدق .

جن جنون الملك وكاد يقتله لولا وعدع باعطاء الامان له ، فأمر بسجنه بدلا من قتله ، وأرسل في طلب السائس القديم ، وقال له : قل من اي رضعت الفرس وإلا قتلتك؟  ، فرد السائس قائلا: عندما ولدت فرسك ، ماتت امها ، فلم اجد لها حليبا سوى لدى بقرة كانت موجودة في الحظيرة ، فخشيت اخبارك بذلك

فتأكد الملك من صحة كلام السائس الجديد وأمر بالإفراج عنه وتقديم الطعام والشراب له ، ثم سأله :  كيف عرفت أن فرسي لم ترضع من أمها ؟ فقال الرجل : يا مولاي إن الفرس الأصيل لا يبحث عن طعامه بل يُحضر اليه ويأكل مرفوع الرأس ، لكن تلك الفرسة كانت تتصرف مثل البقر وتطأطئ راسها وتبحث عن الطعام في الأرض .

ادرك الملك  ذكاء الرجل وطلب منه أن يكون مستشارا لزوجته الملكة ، رفض الرجل وطلب اعفاؤه من تلك المهمة ، لكن الملك رفض وهدده بالقتل ،فوافق رغما عنه وما كان من الملك إلا ان امر بتزويد وجبات الرجل بدجاتين في الغداء والعشاء  ، لكن بعدها بوقت قصير عاد وهرب مرة اخرى ، فبحث عنه الجنود حتى وجدوه واحضروه للملك ، ولما سأله عن سبب هروبه ، طلب ان يعفيه من الجواب ، إلا ان الملك اصر على معرفة السبب واعطاه الامان

فقال له: يا مولاي إن زوجتك تربية ملوك وأخلاق ملوك وشرف ملوك ، ولكن من يقول أنها ابنة ملوك فاسمع ولا تصدق ،
غضب الملك  وأمر بسجنه للمرة الثانيةً ، ومنع الطعام عنه ، ثم ذهب إلى والدي الملكة يتأكد منهم من صحة قول السائس ، فقال له والد الملكة: نعم هي ليست من صلبنا ، وكانت عندي ابنة عمرها عامان مرضت بالحصبة وماتت ، وكنت قد اتفقت مع والدك على تزويجها لك عندما تكبر ، ولما توفيت احضرت طفلة من الغجر وربيتها على انها ابنتي وزوجتها لك
فرجع الملك إلى قصره وأمر بإحضار السائس وسأله كيف عرف اصلها ، فقال الرجل : يا مولاي زوجتك تتغامز بعينها عندما تتكلم ، وذلك من عادة الغجر في الكلام وليس من عادة الملوك في شيء
فانبهر الملك بذكاء الرجل ، وامر بتقديم غرفة رائعة الجمال مع عشاء فخم .
وطلب منه ان يصبح خادمًا شخصيًا لديه ، فارتعب الرجل وحاول التخلص من تلك المهمة بأي طريقة لكن كالعادة أصر الملك ، فهرب الرجل بعد وقت قصير جدا وتمكن حراس الملك من الإمساك به ، ولما سأله الملك عن سبب هروبه ، رد عليه قائلا: يا مولاي من يقول لك أنك ابن ملك اسمع ولا تصدق ، فثار غضب الملك وجن جنونه... وذهب لأمه ليتأكد من صحة كلام الرجل ، وسألها ابن من هو ؟ فقالت له : يا بني لقد كان والدك ظالمًا وعقيمًا لا ينجب ، وكان يتزوج كثيرًا ، وإن مرت تسعة أشهر على اي زوجة له دون أن تنجب ... كان يقتلها ، ويتزوج غيرها ، وكان في القصر طباخ لديه طفل رضيع فأخذته منه ، وادعيت أنه ولدي حتى لا يقتلني الملك ،و هذا الولد هو أنت...ووالدك هو الطباخ  .

وبعدها سأل الملك السائس متعجبًا : كيف عرفت أنني لست ابن الملك ؟ فقال الرجل : يا مولاي ...إن الملك حينما يهب ويعطي يقدم الذهبً والفضة ، وحين يعاقب يُسجن ويقتل ، أما أنت فكنت عندما تكرمني تقدم لي الطعام الفاخر من مرق ودجاج  ، وحين تغضب تمنع عني الطعام وتدخلني السجن ، و الطباخ عندما يرضى عن احد لا يقدن له سوى الطعام...وحين يغضب يمنع عنه الطعام
لا ، فالعرق دساس يا مولاي .